Thursday, 9 November 2017

قانون الأواني المستطرقة في المنطقة




في زحام الأحداث اليومية.. المر منها والحلو، خفت وربما اختفى الحديث عن تجديد الخطاب الدعوي، المشهور باسم الخطاب الديني، وهو دعوي فيما أذهب لأن الخطاب الديني هو كلام الله جل وعلا، الذي حوته الكتب والصحف السماوية، أما الدعوي فهو التعبير البشري عن فهم الدين، وهو هنا يحتمل الصواب والخطأ.. ويحتمل انتهاء الصلاحية والتحول إلى تسميم العقول والأنفس بدلًا عن صحتها وإصلاحها.. كما يحتمل التطور والتجديد بحكم أن حياة البشر تتطور وتتجدد!

ولقد توقفت طويلًا أمام عبارات قالها ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أثناء مؤتمر إعلان المشروع التنموي الجديد "نيوم"، كانت حاسمة في إعلان أن بلاده تريد فهمًا للتدين ولممارسته يتسم بالوسطية المستنيرة، وينفتح على بقية الأديان دون تمييز، وأن بلاده ستضرب التشدد والإرهاب.. وأظن أن كل المعنيين بمسألة الدين والتدين.. التي لا تنفصل أبدًا عن السياق الحضاري والثقافي للتكوين الاجتماعي في منطقتنا يدركون أن حدوث هذه النقلة الكيفية في المجتمع السعودي كفيل بمساهمة أساسية ورئيسية في تحقيق التجديد الذي نرنو إليه.. ومن باب التوضيح فإن وصف "المعنيين" الذين أقصدهم ينصرف إلى عدة اتجاهات، أولها، الاتجاه الذي ظل دومًا ينسب التشدد والتطرف والإرهاب إلى جذور تعمقت ونمت وتشعبت في شبه الجزيرة العربية، ومثل المذهب الحنبلي واجتهادات ابن تيمية وابن عبد الوهاب ومن جاءوا من بعدهم ملتزمين بمنهجهم الجذع الرئيسي للظاهرة.. وثانيها، الاتجاه الذي يربط بين السياسة وبين حتمية أن يكون لها غطاء عقائدي وأخلاقي، وأن انتعاش وتغول الاتجاه المتشدد المتطرف والإرهابي في المنطقة ليس مرده إلى تلك الجذور الحنبلية التيمية الوهابية فقط، بل إن قوته جاءت من اتخاذ أفكاره غطاءً أخلاقيًا لممارسات بعض أطراف الصراع السياسي في المنطقة، التي تذم العرب والفرس والأتراك، وأيضًا الصهاينة!.. أما الاتجاه الثالث، فهو الذي يعتني فكريًا وثقافيًا بقضية حل إشكالية التقاطع بين المكون التراثي العقيدي في التكوين الاجتماعي المصري تحديدًا وبين المكونات الأخرى الحضارية والثقافية الممتدة من الجغرافيا إلى التاريخ، وهذه الاتجاهات الثلاثة ستجد في حديث المسؤول السعودي الكبير سندًا لمواجهة الاتجاه الرابع، الذي اصطلح على تسميته بالسلفيين عند البعض والمتسلفين عند آخرين، وهو اتجاه لم يكن يخفي أن سنده الرئيسي يتمثل في ارتباطه واتصاله برموز دعوية سعودية، وأيضًا برموز لديها الإمكانات المالية التي توجه بعضًا من فائضها للإنفاق على الدعوة في سبيل الله!

ولعلي لا أقول جديدًا إذا أكدت أن ما يحدث داخل دولة عربية ما، وخاصة من الدول ذات التأثير والثقل، لا يمكن أن يبقى شأنًا داخليًا معزولًا عن المحيط الإقليمي، وإنما هو مؤثر مهم في واقع ومستقبل الإقليم ككل، والشواهد على هذه الحقيقة عديدة وممتدة منذ التاريخ القديم، أي قبل الأديان السماوية وإلى الآن، وهي حقيقة تساعدنا تمامًا في قراءة ما ستؤدي إليه التطورات الداخلية في المملكة العربية السعودية من نقلات كيفية في المنطقة، وأتمنى بإخلاص أن تكون نقلات إيجابية متقدمة.

وأعود إلى مسألة الخطاب الدعوي في مصر، الذي خفت الحديث عنه، كي أشير إلى أن علاقة البشر بالدين وبمؤسسات التدين هي الحامل الرئيسي لكل "الجينات" – إذا صدق الوصف والتشبيه – المعوقة للتنمية الحضارية والثقافية، مثلما هي حاملة لجينات التقدم إذا تحققت شروط معينة، وفي هذا السياق فإنني أعلم أن استدعاء النموذج الأوروبي والغربي المسيحي للقياس عليه يعد استدعاءً لقياس فاسد أو ناقص الأركان، إذ إن التطور التاريخي هناك غير التطور التاريخي عندنا، ومع ذلك يبقى ما حدث هناك صالحًا لاتخاذه مؤشرًا إنسانيًا عامًا يمكن الاعتماد على فهمه ضمن سياقه في فهم كيفية إحداث ما نرجوه من تطور، لأننا لم نستطع بعد أن نحسم العلاقة بين الموروث العقيدي الديني وبين بقية مكونات تكويننا الحضاري والثقافي، وبالتالي العلاقة بين كل المكونات وبين تلبية مطالب وجودنا الإنساني المعاصر الآن وغدًا وبعد غدٍ، وهي مطالب باتت ومنذ أمد طويل متجاوزة لمعظم ما لدينا من موروث على جميع الأصعدة!

ولقد أثبتت الأحداث والوقائع والسياقات التاريخية في المنطقة، أنه إذا تم التوافق والتناغم الفكري والثقافي، ومن ثم السياسي بين مصر وبين المملكة أساسًا ومعهما بدرجة أو أخرى الثقل السكاني والحضاري لبقية المشرق العربي في سوريا والعراق، كان الأمل كبيرًا في إنجاز المطلوب على أصعدة كثيرة، والعكس صحيح إذا غاب ذلك التوافق وحل محله التقاطع والتصادم.

إن تجديدًا للخطاب والممارسة الدعوية في المملكة، ومقاومة ومحاسبة للانحراف الدعوي والاقتصادي والمالي والسلوكي تعني سندًا ودعمًا للتجديد والمقاومة والمحاسبة في مصر.. وهذا ليس من باب التفاؤل والأمنيات، وإنما من واقع قراءة التاريخ القريب لتفاعل البلدين.
                          

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 9 نوفمبر 2017.