Wednesday, 20 September 2017

"حافظوا على نظافة مصر"




أشد الكوابيس وطأة هو ذلك الذي يفقد فيه الإنسان القدرة على الحركة في مواجهة من يريد به سوءًا أثناء نومه، ومن رحمة الله بعباده أن يكون الاستيقاظ من النوم هو السبيل للخروج من هذه الحال.. وكما في النوم فإن لليقظة أيضًا كابوسها الرهيب الذي هو- فيما أعتقد- عجز الإنسان عن مواجهة المشاكل التي تحاصره هو أو أسرته أو عزيز لديه، أما الكابوس الأكثر بشاعة فهو العجز عن مواجهة ما يدمر الوجود الوطني أو يعطل قدرات الأمة، وكلما حاول المرء البحث عن فرصة للمواجهة- سواء كان هو المبادر بها أو مشاركًا مع آخرين- لم يجدها، أو تأتي مشلولة مقطوعة الأنفاس!

ولو كنت بصدد الحديث عن محاولات في هذا الصدد بادرت ببعضها، أو سعيت للانضمام لآخرين فكروا فيها وبدأوها؛ لما اتسعت هذه المساحة، ولذلك أتجه للحديث مباشرة في مبادرة أعتقد أنها قد تؤتي ثمارًا طيبة، وقد تفتح الطريق أمام مبادرات أخرى في مجالات متعددة، والمبادرة التي أعنيها هي الحملة التي ترفع شعار "حافظوا على نظافة مصر"، ومعه رسم معبر تظهر فيه مجموعة كبيرة من الأشخاص المتجاورين ومن بينهم واحد مرسوم بلون مختلف وقد مد يده ليلقي المخلفات في سلة قمامة، وعبارة أخرى تقول: "فخور بأني ما برميش في الشارع"!

وبداية فإن هناك تأصيلًا معتادًا لحكاية النظافة والحفاظ على البيئة، إذ تقول: إن المصري في العصور القديمة كان إذا انتقل للعالم الآخر وحانت لحظات الحساب الأخروي ترافع عن نفسه، وفي مقدمة ما كان يقوله هو أنه لم يلوث مياه النيل! وفي كل اللوحات القديمة يأتينا الانطباع المباشر بأن هؤلاء الأجداد كانوا يعرفون النظافة ويمارسونها، فالملابس أنيقة زاهية، والشعر مقصوص ومصفوف، وذقون الرجال حليقة، والأظافر مقصوصة، وأواني العطر وأدوات الموسيقى ظاهرة في أغلب اللوحات.. بل حتى المواشي التي تظهر في لوحات الحرث والبذر والحصاد تبدو منظمة وأيضًا نظيفة!

وعندما جاء هيرودوت إلى مصر، في العصور القديمة، وكتب تاريخه، لم يخف تعجبه من أولئك الذين يأكلون طعامهم خارج منازلهم في الهواء الطلق، بينما يقضون حاجتهم أو يقيمون دورات المياه داخل المنازل.. وأذكر أنني صدقت تعجبه عندما شاءت الظروف أن أزور قصر فرساي، الذي كانت تقيم الأسر المالكة في فرنسا، ومنهم البوربون، وكان القصر الضخم خالٍ من دورات المياه، إذ كان الخدم يحملون "قصرية" يقضي فيها سكان القصر حاجتهم ثم يحملونها لإلقاء محتوياتها في الخارج! بل إنه قيل إن البراعة الفرنسية في العطور تعود إلى ندرة الاستحمام، وبالتالي تصاعد روائح العرق المختلط بالأتربة، ومن ثم كان لا بد من عطور نفاذة!

وفي التأصيل أيضًا، بعد مرافعة المصري القديم بعدم تلويث مياه النيل، تأتي الأديان السماوية التي تحض مباشرة على النظافة، وتربط بينها وبين الطهر والتطهر، ولم تكن صدفة أن يتم تعميد المولود المسيحي بالماء، وأن يكون للماء الذي تمت الصلاة عليه مكانة ودور في حياة المؤمنين، ثم لم تكن صدفة أن يكون الوضوء بالماء شرطًا للصلاة في الإسلام، مع الاستثناء بالتيمم حال غياب الماء، وأن يكون الغسل للبدن بكامله شرطًا لإنهاء الجنابة، وما الوضوء والغسل إلا صورتين متصلتين بالمعمودية!

ورغم ضيق الحياة وندرة الإمكانات- على زمان طفولتنا وصبانا في الريف المصري- إلا أننا عشنا وشفنا أهلنا يمارسون النظافة كلما استطاعوا.. فحلب ضرع البهيمة، بقرة كانت أم جاموسة أو حتى عنزة، لا يتم إلا بعد مسح الضرع وتنظيفها.. و"الطاجن" أو "المترد" الذي سيحلب فيه اللبن يتم "سمطه" أي تعقيمه في الفرن البلدي الساخن لعدة ساعات.. وكانت "ستي"- جدتي- تسأل كل مرة زوجة الابن التي عليها الدور في حلب البهائم: "سمطوا الطواجن"؟! وبعدها تأتي "المزيرة" أي أزيار، جمع "زير" المياه، والمكان الذي توضع فيه، حيث تستخدم الأغلفة الجافة لكيزان الذرة، أو تستخدم الليفة الحمراء المتخذة من النخيل، ويتم إفراغ الزير من المياه وإمالته، ثم دعك جدرانه من الداخل "داير ما يدور" بغلاف الذرة أو الليفة الحمراء.. ويكون نوى المشمش مغسولًا هو الآخر، حيث يستخدم في ترسيب الطمي العالق في المياه! وبعد الأزيار تأتي القلل القناوي منها والبحراوي، ليتم غسلها من الخارج لتفتيح مسام الفخار التي انسدت من الطمي والعوالق، لأن تبريد القلة للمياه يتم بتبخر رشح المياه من مسامها الفخارية، ثم يتم تبخيرها بدخان عطري متصاعد من خليط من الشبة واللبان الدكر المر وعين الهر موضوع على قوالح ذرة متوهجة بالنار! وتوضع فتحة القلة فوق المبخرة!

وقبل أن توضع القلل في الصواني اللامعة يملأ حلقها ما فوق الثقوب إلى الحافة بأوراق النعناع أو الريحان- إذا وجدت- وتغطى بغطاء فخار أو معدن! وكانت صينية الشاي والبراد تلمع "تبرق"، إذ كان يستخدم رماد الفرن في دعك النحاس والألومنيوم والصاج والزجاج، وكانت له نتيجة هائلة، كما أنه معقم بعد تعرضه للاحتراق في نار عالية الدرجة، بعدها يأتي وسط الدار، حيث يتم الكنس بمقشات مصنوعة من سباطات البلح الجافة أو من الليف الأحمر أو من "القحوف".. والقحف هو- لمن لا يعرف- تلك المساحة العريضة التي تتصل بها جريدة النخيل بالنخلة، ويكون عرضها من تحت حوالي عشرين سنتيمترًا ثم تضيق إلى أن تكون بسمك الجريدة، أي حوالي خمسة سنتيمترات، ويتم دق مقدمة القحف حتى تتكون أهداب طويلة تكنس التراب الدقيق، والقحف عادة ما يكون معقوفا أو معوجا من أعلى، ولذلك قيل "ربنا يدي- يعطي- كل قحف عدله"! وإذا عز وجود المقشة كانت عيدان قش الأرز أو الذرة تجمع في حزمة أو كرة، ويتم الكنس بها، ويعقبه الرش بالمياه؛ حتى يهدأ التراب.. وقس على ذلك الردم الجاف تحت أرجل المواشي وتعليم الطفل أن "يقلب خلجته" أي يثني طرف ثوبه "الخرقة" الذي يرتديه ليمسح أنفه إذا سال منها "البربور".. حتى لا "يشن" أي يصدر الصوت إياه من أنفه، لمحاولة منع المخاط من السيلان على شفته!

وموال النظافة طويل في ريفنا المتهم دوما بأنه الذي صدّر عاداته القبيحة، بما فيها الوساخة، إلى البنادر، وهذا فيه غبن كبير.. وربما تكون للحديث صلة.. بل مؤكد أن له صلة.
                           

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 20 سبتمبر 2017.