Thursday, 21 September 2017

خطاب ترامب وحتمية التوازن المصري




خيط رفيع يفصل بين الخطاب السياسي الدعائي الأيديولوجي وبين الخطاب الذي يعتمد على قراءة حقائق الواقع، وما يمكن أن تسمح به أو لا تسمح! وقد جاء خطاب الرئيس الأمريكي ترامب أمام الأمم المتحدة من النوع الأول، الذي طالما رفضه خبراء الاستراتيجيا هنا في مصر وهناك في الغرب، وكانوا - وربما ما زالوا- عندما يصدر مثل هذا الخطاب من أحد هنا أو في دول معارضة للرأسمالية المتوحشة، يصفونه بأنه نوع منحط من أنواع الديماجوجية الشعبوية الرخيصة!

وبصرف النظر عن أن ترامب لم يشر إلى ما تعانيه مصر من الإرهاب، ولا إلى جهدها في مقاومته ولا إلى دورها أيضا في استيعاب ألوف القادمين من سوريا ومن العراق ومن ليبيا، وقبلهم ألوف من السودان، إلا أنه لم يتردد عن الإشادة بالدولة الصهيونية واعتبار أن أي تهديد لها هو عمل ضد الإنسانية!

لقد تحدث ترامب طويلا عن فشل الاشتراكية وعن خطر الشيوعية، وتحدث عما أسماه الأصولية الإسلامية الإرهابية، وعن النظم غير الديمقراطية، وتناسى المظاهر التي تشير إلى وجود جذور قوية للأصولية المسيحية الصهيونية في بلاده، وجذور قوية للعنصرية العرقية والدينية والطائفية، وكيف أن لهذه الجذور وجود علني حركي واسع يتمثل في أن الموقف الداعم المنحاز انحيازا مطلقا للدولة الصهيونية لا يرتكز فقط على المصالح المشتركة ولا على التحالفات القوية، بل يرتكز أيضا على ما يمكن أن نسميه التزاما توراتيا لدى تلك الأصولية المسيحية الصهيونية، التي لها خطابها الديني ومنه أن المسيحي الذي لا يؤمن بنبوءات التوراة وإعادة بناء الهيكل والمذابح التي ستتم ضد الأغيار في سبيل ذلك ليس مسيحيا مخلصا، وإذا كان ثمة اختيار عند المسيحي الأصولي بين الإيمان بتلك النبوءات وحتمية تحققها، وبين الاعتقاد في حقوق الإنسان ومواثيق احترامها ورفض الدماء أيا كان السبب، فإن الاختيار يجب أن يكون لما هو توراتي وليس لما هو إنساني! ثم إن ترامب نفسه ومنذ عدة أسابيع مضت شاهد ما عانته بلاده في انفجار عنصري ضد السود في إحدى الولايات بعد قصة التمثال إياه.. ووصل العنف لدرجة اضطرت ترامب كرئيس للولايات المتحدة أن يخرج ليتكلم، وهناك كثيرون اعتبروا كلامه في ذلك الوقت غير موفق، لأنه لم يدن أولئك العنصريين إدانة كاملة!

ثم إنه تحدث عن دول تحكمها نظم اعتبرها هو معادية لشعوبها، ومنها إيران وفنزويلا وكوبا، ولم يتورع عن أن يقدم تقييما أيديولوجيا فيه من الأحكام القيمية المطلقة أكثر مما فيه من تحليل علمي أو حتى منطقي، ولو بشكل عابر، وهو يغفل أن الشعب الكوبي صمد لأكثر من نصف قرن أمام الحصار الأمريكي البشع، وقدم الشعب الكوبي نموذجا للاعتماد على الذات وتحقيق تقدم هائل في بعض المجالات كالعلاج الطبي والدواء وأيضا في الاكتفاء الغذائي، ولم تركع كوبا للولايات المتحدة.. ثم إنه يغفل أيضا أن الاشتراكية والشيوعية لم تحولا دون أن تتقدم الصين وفيتنام، بل إن الصين وضعت نفسها في مقدمة الصف الأول اقتصاديا وتقنيا، وأصبحت رقما صحيحا وصعبا أمام العالم الرأسمالي كله، بل وأكثر من ذلك فإن الوجه الآخر لقراءة ما يجري في كوريا الشمالية هو أنها- بتركيبتها الأيديولوجية والسياسية التي يرفضها ترامب- تمثل حالة متقدمة في تقنيات صناعة الأسلحة الاستراتيجية، وهي تقنيات تنم عن تقدم علمي بدرجة أو أخرى!

ثم إن ترامب- ربما بحكم تكوينه الثقافي الضعيف- لم ولن يلتفت إلى التاريخ الطويل لنضالات إنسانية هائلة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية في حقب الاستعمار الرأسمالي القديم، الذي اتسمت بعض دوله الاستعمارية بعنصرية رهيبة بغيضة عرفتها أنجولا والكونغو وجنوب إفريقيا، وفي حقب الاستعمار الإمبريالي الجديد، ولن يلتفت أيضا إلى أن العالم- خاصة أوروبا وبلاده- دفعوا أثمانا فادحة اقتصاديا، وقتل أكثر من سبعين مليونا من البشر في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وقد يتضاعف الرقم إذا أضفنا ما حدث في الحروب الجزئية التي اشتعلت في منطقتنا وفي وسط آسيا وشرقها وفي إفريقيا جنوب الصحراء وفي أمريكا اللاتينية، وهي حروب صغيرة قد تجل عن الحصر، وفيها حروب تسببت فيها الولايات المتحدة ودمرت أوطانا بأكملها وما حالة العراق ببعيدة، كنموذج لقرارات وتوجهات إمبريالية عنصرية أمريكية تبين أن كل ما حاولت أن تستند إليه من قبيل الأسلحة النووية والكيماوية وغيرها كان زائفا!

لقد جاء خطاب ترامب وكأنه إعلان حرب على عقائد سياسية، وأخرى دينية، وعلى دول ومجتمعات وجماعات، فيما بلاده تعاني كوارث طبيعية مدمرة، من المؤكد أن المسيرة الرأسمالية بتقنياتها كانت سببا من أسباب تلك الكوارث، حيث كان ارتفاع درجة حرارة الكوكب نتيجة الأنشطة الصناعية، وربما أيضا الأنشطة الفضائية من ورائها.. وهي أنشطة ارتبطت بالنمو الرأسمالي الذي ما زالت دوله ترفض الالتزام بالقواعد الحاكمة لعدم تفاقم الظاهرة! وتعاني كذلك من أزمات داخلية تمس صميم التماسك الاجتماعي الأمريكي.

مع هذا كله، يبقى السؤال الجوهري، الذي يخصنا نحن كدولة تخوض حربا ضروسا على خمس جبهات، شمالا وشرقا وغربا وجنوبا وفي العمق، وتخوض كفاحا مضنيا في كل جبهات الاقتصاد والخدمات والإنتاج والبنى الأساسية والتكوين الثقافي والمسلكي لشعبها: ماذا نفعل أمام هذا الانحياز الأمريكي المطلق للدولة الصهيونية وللنهج الرأسمالي وآلياته، وما تطلقه الولايات المتحدة من تهديدات لكل من يتعامل أو يتعاون مع دولة من الدول التي خصها ترامب بالهجوم في خطابه؟ هل سنقطع علاقاتنا ونشارك في الهجوم على تلك الدول، كإيران وفنزويلا وكوبا وغيرها، أم سنستطيع اتخاذ مواقف متوازنة أقرب إلى الاستقلال وتحقيق مصالحنا أولا وقبل كل شيء، مثلما هي الولايات المتحدة التي تقدم مصالحها أولا وقبل وبعد كل شيء؟!

أظن أن ما كتب في هذه المساحة الأسبوع الفائت حول التوجه شرقا واستعادة الدور هو جزء من الإجابة التي يجب أن نبذل من أجلها كل جهد طوال الوقت.
                        

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 21 سبتمبر 2017.