Tuesday, 12 September 2017

.. وبحر مويس أيضا




ربما لأن كثيرين ملوا لدرجة "الزهق" من متابعة الكتابات السياسية، فإن إقبالا أراه ملحوظا على ما يكتب من مقالات لها الطابع الاجتماعي، وفيها انعطافات تفصيلية نحو ما كان من حياة في الريف والمدينة خلال حقب سابقة على الألفية الثالثة، وفي هذا السياق يتلقى كاتب هذه السطور تعليقات كثيفة على المقالات تحمل ذلك الطابع.. بعضها تعليقات شفهية وأخرى مكتوبة، خاصة على وسائل الاتصال الإلكترونية.. وأجد نفسي ممتنا لحرص الأستاذ منير عامر الصحفي المميز والكاتب الكبير على إبداء رأيه فيما أكتبه، وسيكون من باب تضخيم الذات ذكر بعض عباراته التي أشعر معها بالفخر والخجل أيضا، ولكنه دوما ما يؤكد على أهمية الكتابة المتصلة بالهوية المصرية، حيث تتجلى في سلوكيات المصريين وطرائق حياتهم وأنماط تفكيرهم وأمثالهم العامية ومعتقداتهم الشعبية وعلاقاتهم البينية وإدارتهم للتحديات التي يصادفونها صغيرة كانت أم كبيرة، ويرى الأستاذ منير عامر أن هناك تميزا - والميزة لا تقتضي الأفضلية، كما يقول علماء الأصول - للمقالات المحتوية على تلك المضامين!

وفي الاتجاه نفسه، ولكن بطريقته الساخرة الناقدة، اهتم المهندس صلاح دياب بالتعليق على المقالات من هذا النوع، وعادة ما يكون مدخله عبارة ساخرة "أنت مصمم على أن تذكرنا بأيام غير مريحة.. أيام البراغيث والطين والشقا!!، ثم إنك ذكرت أسماء البحار العذبة ولم تذكر معها بحر مويس في محافظة الشرقية"!!، ومن فوري قدمت اعتذاري عن السهو بعدم ذكر بحر مويس الذي هو أهم أو من أهم الموارد المائية في محافظة الشرقية، ومنه تروى مساحات هائلة في مراكز الزقازيق وأبو كبير وههيا والإبراهيمية وكفر سقر وأولاد سقر.. ويعود البعض بتاريخه إلى ما قبل الميلاد، إذ يذهبون إلى أنه "اليم" أو "البحر" الذي ألقت فيه أم موسى ابنها، ويذهب آخرون إلى أنه حفر وعمق في عهد محمد علي باشا الكبير الذي اهتم بتطوير معظم الترع القديمة، فوصل بعمقها إلى ثمانية أمتار وحفر ترعا جديدة وبلغ عدد ما أنشأه محمد علي 37 ترعة ومصرفا، و14 جسرا لحماية جوانب النيل من مخاطر الفيضان و44 قنطرة لتنظيم المياه، وكان الباشا هو مؤسس الري الصيفي فأنشأ القناطر الخيرية وأمر بحفر الرياحات الكبرى الثلاثة: التوفيقي، والمنوفي، والبحيري.. وأنشأ ترعة المحمودية التي حملت اسم السلطان محمود، وقد فكر الباشا في إنشائها منذ 1811 وبدأ التنفيذ 1817 لتحيي الأرض الزراعية في محافظة البحيرة، وعهد بتصميم حفرها للمهندس الفرنسي كوست وافتتحت في 24 يناير 1820 وحضر محمد علي باشا بنفسه الافتتاح ومعه ابنه إبراهيم باشا وصهره الدفتردار وطبوز أوغلي!!.. وللحقيقة والإنصاف فإن جهود محمد علي باشا في إنشاء وتعظيم شبكة الري المصرية جهود جبارة، ومعها حقيقة أخرى عادة ما لا يشار إليها وهي جهود الفلاحيين المصريين الذين حفروا هذه الشبكة بوسائلهم البدائية، يعني الفؤوس والكواريك والغلقان - جمع غلق، أي مقطف - وعلى سبيل المثال فقط، فإن مائة ألف فلاح مصري شاركوا في حفر ترعة المحمودية وحدها!! ولا أستطيع أن أغادر هذه الفقرة دون أن أشير إلى أن البوابة الإلكترونية لمحافظة الشرقية تحتوي على نبذة مهمة عن تاريخ المحافظة وجغرافيتها، وفيها ذكر للأنبياء والأسر المقدسة التي عاشت أو مرت عبر الشرقية!

وفي بريدي الإلكتروني اختلفت مع الزميل الصحفي والصديق عاطف النمر الذي استند إلى مقولة مثلث الرحمات البابا شنودة، الذي يذهب إلى أن موسى كلمة مركبة من مقطعين "مو" وتعني الماء و"سي" وتعني ابن، مثل "عيسى" حيث "عي" وتعني العلي أي الله، ولذا فعيسى هو ابن العلي! ثم تلغرافات إشادة من كثيرين، ومعلومة إضافية من صديقي الوفي المهندس رفعت بيومي الذي يرى أن ميلاد موسى كان في عصر الرعامسة الأسرة 19 وليس في فترة الهكسوس، كما ذهبت، وإضافة أخرى من البروفسور الصديق صاحب الفضل الذي لن أنساه الدكتور عبد الحميد صفوت إبراهيم، أستاذ علم النفس الاجتماعي، الذي يرى أن هذا النوع من الكتابة ينتمي للتاريخ الاجتماعي المصري، وفيه أوصاف تفصيلية دقيقة لكيف يعيش المصريون في مكان معين وزمن محدد.. والكل يجمع على حتمية أن تتحول هذه المقالات لكتاب.

لقد وجدت تشجيعا على الاستمرار في هذا اللون من الرصد الاجتماعي - التاريخي الذي يحوي مكونات الهوية المصرية، وأظن أنه آن أوان الاجتهاد في تأصيل أكثر عمقا، لكي يمكث في الأرض.. وهكذا يبدو القول الذي نسب للإمام محمد عبده صحيحا: لعن الله ساس ويسوس وما اشتق منهما.
                      

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 12 سبتمبر 2017.