Wednesday, 6 September 2017

تداعيات الحرمان من "التسحل"!




نواحينا، وربما في نواحٍ أخرى من المحروسة، نطلق على النهر اسم البحر، ونميز بين البحر وبين البحر المالح، الذي هو عندنا الأبيض المتوسط، وهو الذي خلدته الأسطورة الشعبية الصوفية التي تتحدث عن السيد أحمد البدوي وعن خضرة الشريفة في فترة الحروب الصليبية أو غزوات الإفرنج لمصر، وفيها كنا نغني قائلين: "سيدنا- بدون تشديد الياء– السيد.. من يومه جيد.. عدى المالح.. في ليلة خضرة" وكان معه سيدي إبراهيم الدسوقي "سيدي إبراهيم من يومه خليل عدى المالح في ليلة خضرة"، وكنا نستمع للراوي وهو منفعل يصف وقوف مولانا البدوي على شاطئ المالح، والسفينة التي خُطفت فيها خضرة تبتعد، وإذا به يجثو على ركبتيه ثم يمد بوزه "فمه" إلى المياه المالحة فيشفطها شفطة بعد شفطة ليظهر قاع البحر ويعبره ومعه سيدي إبراهيم والدراويش ليعودوا بخضرة وبقية الأسرى: "الله الله.. يا بدوي جاب الأسرى".

وكثيرًا ما كان الراوي ينتقل إلى جانب آخر، هو صراع الخير ممثلا في الفتى الملثم البدوي ضد الشر ممثلا في امرأة عراقية، هي فاطمة بنت بري، الجميلة الفاتنة، التي كانت متخصصة في فتنة الأولياء الكبار، فتسلبهم "شربتهم"، حيث الشربة هي العهد الصوفي، وبلغ خبرها سيدنا السيد، فقرر الذهاب إليها، وبدأ الصراع بالجيوش عندما سلطت عليه جيوش القمل، فاستدعى هو جيوش النمل، وهو مستعصم بلثامه المسدل على وجهه، حتى قهر بنت بري، وألزمها التوبة ورد للذين أخذت منهم عهود الطريق عهودهم!

وكثيرا ما تطلق مناطق أخرى في الأرياف اسم البحر على قنوات "ترع" المياه العذبة، فهناك بحر يوسف وهناك البحر الصغير، وهناك "بحر القطني" وهو ترعة عذبة لا يتجاوز عرضها ثلاثة أو أربعة أمتار، ويأتي ملتويا من بسيون متجها إلى جهة الشمال، مارا بقرى عديدة منها "شبراتنا" التي كان يقع في زمامها حوض الجنادي– نسبة إلى بلدنا جناج التي ما زال أهلها ينطقونها جناد– واقترن اسم القطني بغرق العيال حتى سن المراهقة، ولذلك كنا نتلقى عشرات التحذيرات من النزول فيه بعد أن عشنا واقعة غرق "قطيفة"، تلك الفتاة التي كانت ترعى الغنم، وكانت تعبر من فوق الهويس وسقطت وغرقت ولم تظهر جثتها إلا بعد أيام، عقب أن جاء الغطاسون ومعهم سنانير يجرون خيوطها بالقرب من قاع "الترعة– البحر"!

وربما كان هذا التداخل بين البحر- أي العذب- وبين البحر المالح هو سبب اختلاف الآراء في تفسير "اليم"، الذي أمر الله سبحانه أم موسى أن تلقيه فيه، هل هو النيل أي البحر بوصفنا الشعبي حتى اليوم، أم هو البحيرات الممتدة من برزخ السويس إلى المتوسط قبل شق قناة السويس، حيث يقول بعض المعنيين بالربط بين القصص الديني وبين التاريخ إن موسى- وهو لفظ مصري قديم يعني "الابن"- ولد في فترة وجود الهكسوس "الرعاة" الذين أقاموا في شرق الدلتا بالقرب من البحيرات المالحة كبحيرة التمساح وغيرها!

وعلى أيام أجدادنا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وربما حتى مطالع العشرين لم يكن ثمة طريق ممهد ليصل بين نواحينا في وسط الدلتا وبين الإسكندرية ورشيد وإدكو.. ولذلك كان الذاهب للثغر يأخذ الركوبة أي الحمار أو الأتان– أنثى الحمار– أو الجمل إلى كفر الزيات ومعه مرافق يسير على قدميه من ورائه حتى يعود المرافق بالدابة بعد توصيل المسافر، ومن كفر الزيات تؤخذ المراكب الشراعية أو الصنادل البخارية النازلة شمالا، وما زلت أذكر حكاية جدي الأكبر علي بن محمد الجمال، الذي تسلل قبل الفجر على الركوبة ومن ورائه ولدان من عياله الأحد عشر، متخذا طريقا فرعية ضيقة بين الغيطان، بعيدا عن الطريق المعتادة الواصلة بين القرية وبين السكة الزراعية الواصلة لدسوق، لأن العمدة أبو رامون كان قد منع السفر إلا بمعرفته وإذنه، خاصة للذين كانوا قد تحدوه نسبيا وعملوا على تجديد الجامع الكبير المعروف بجامع الهاشمي ذي المئذنة العالية المشيدة بالطراز الرشيدي المعروف بأضلعه المتعددة، وللمئذنة شرفتان واحدة أعلى من الأولى، ثم تنتهى المئذنة بأسطوانة دائرية مرتفعة نسبيا تتوج برأس بيضاوي تبرز منه عيدان خشبية، لزوم وقوف الطيور عليها حتى لا تتبرز على رأس المئذنة!

ووصل الحاج علي إلى كفر الزيات، ومنها بالمركب إلى رشيد، ثم إلى الإسكندرية، ومن كوم الدكة اشترى الأعمدة الرخامية التي احتاجها الجامع وعاد بها على المراكب، حيث كانت الجمال تنتظر، وربطوها بالحبال "السلب" ودحرجوها من كفر الزيات إلى بلدتنا، ليفاجأ العمدة، شديد البأس، بأن الأعمدة وصلت، وكان عقاب علي الجمال قاسيا، ربما أحكي عنه فيما بعد!

وكانت خيرات حزام الشمال- المحاذي للبحر- تأتينا في مثل هذا الموسم الصيفي من كل عام، تحملها المراكب الصاعدة جنوبا من هناك إلى القرى المطلة على فرع رشيد، وعند كل قرية "تحوِّد"– واو مشددة مكسورة – المركب لينزل منها البرلسي أو البلطيمي أو الرشيدي مرتديا زيه المعروف، وهو سروال واسع وعميق الحِجْر– حاء مكسورة وجيم ساكنة– ونهاية رجل السروال ضيقة محكمة عند كعب ساق الرجل، والسروال الأسود عادة أو الفاتح بلون الدمور مشدود على وسطه بـ"تكة" ننطقها "دكة" مجدولة من الصوف الخام أو التيل أو الكتان، وعلى نصفه الأعلى صديري مفتوح، أما الرأس فعليها طاقية لها رفرف مستدير أو متدلٍ على مؤخرة العنق "القفا"!

ويحمل الرجل على ظهره قفة كبيرة، ومقطفا أو مقطفين- نسميه عندنا غلق– وفي الكبيرة الملح الرشيدي النقي ذو البلّورات الضخمة المتشعبة أما الغلقان أو المقاطف ففيها أم الخلول والسردين والبلح الرامخ، وعادة ما يكون من نوع "الحياني" وهو أخضر لم يتحول للأحمر أو الأسود بعد، لكنه صار طريا وطعمه سكري لذيذ.

وقد سبق وكتبت منذ زمن عن عفرتتنا ونحن جياع أراذل نقطع طريق صاحبنا الذي يئن تحت ثقل الحمولة المشدودة لظهره بحبال ليفية غليظة لدرجة تجعله محنيا نصف انحناء للأمام، يكاد أن ينكفئ لو تعثر، وبالكاد يستطيع أن يستدير، ونحن بين قسمين قسم يشاغله من الأمام مستدرًا عطفه! "والنبي يا عم ادينا حصوتين ملح للغموس!".. وهو يصيح: ابعد يا ولد يا قليل الحيا.. وينطق "قليل" بالقاف المفخمة بطريقة بعض أهل الشمال، فيما القسم الآخر هناك في الخلف يخطف حصوات الملح أو ينتش شوية أم الخلول وسردينة.

تداعى البحر لذهني وذاكرتي فانطلقت لأنني- وللأسف الشديد- لم أر البحر طيلة هذا الصيف، ولم أعرف الطريق للسواحل منذ مارس الفائت، فيما يخنقني قيظ العاصمة، ويفتك بي الاهتمام بالسياسة والصحافة.. و"هنيالكم" هنيئا لكم يا من "تسحلتم" و"تبحرتم" هذا الصيف.
                        

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 6 سبتمبر 2017.