Thursday, 28 September 2017

كلام عن الإنقاذ والتغيير




يتردد أن جهودا يبذلها عدد من الأسماء البارزة فكريا وسياسيا لتأسيس جبهة للإنقاذ والتغيير، ومن حظي معرفة معظم إن لم يكن كل تلك الأسماء الموقرة، وفيهم من له باع متميز في مجال تخصصه، وكلهم ممن ساهموا في الحراك السياسي الاجتماعي الذي قاد لثورة يناير، كما أن بعضهم ساهم في التهيئة ليونيو، وبداية فليس من حق أحد أن يصادر على غيره رأيه أو حركته، وليس واردا أن يحتكر أحد لنفسه أو لفكره أو لمنظومته السياسية الحقيقة وينظر إلى غيره باعتباره من "الأغيار" وفق المنحى اليهودي!، وبداية أيضا فإنه طالما تصدى المرء لمهمة عامة واتخذ من نفسه داعية للإنقاذ وللتغيير فإن عليه أن يتقبل النقد، وأن يلتزم بالوضوح الكامل.. ومعلوم أن النقد غير الانتقاد وأن الوضوح بطبيعته مبدد للغموض!

إنقاذ من ماذا، وتغيير إلى ماذا؟! هذا هو السؤال الأولي الذي هو تحرير المصطلحات لتنصرف إلى معانيها الحقيقية، أو إذا كان لها عند من يرفعونها مدلولات محددة فعليهم أن يشرحوها.

ثم هل هناك علاقة بين الجدل الدائر في بعض دوائر الناشطين سياسيا، حول ما يسمى بالمصالحة مع الإخوان المسلمين، وبين هذه المحاولة للإنقاذ والتغيير.. وبمعنى أدق هل جرى حوار وتشاور وملامح التقاء بين الداعين للإنقاذ وبين جماعة الإخوان عبر قنوات بعينها، وما حدود هذا الحوار أو الالتقاء إذا كان موجودا؟!

وعلى المنوال نفسه هل هناك حوارات إقليمية وأخرى دولية بين دعاة الإنقاذ والتغيير وبين أطراف في الإقليم رسمية، كالنظام القطري مثلا أو حزبية كالنهضة في تونس أو مع مؤسسات غير حكومية معنية بحقوق الإنسان وبالديموقراطية، والأمر نفسه ينسحب على المستوى الدولي، حيث يوجد ناشطون حركيون معارضون للنظام في مصر موجودون في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا؟

أسئلة تبدو وكأن من ورائها أحد احتمالين، الأول حفز الحكم في مصر عبر مؤسساته وأجهزته للتعامل مع المحاولة قبل أن يشتد عودها وتتحول إلى تفاعلات أكثر اتساعا على ضوء الظروف الاقتصادية والاجتماعية، والثاني هو فتح الباب للاشتباك بين مؤيدي الوضع الحالي وبين دعاة تلك المحاولة، للدخول في متاهة التراشق هجوما ودفاعا أو هجوما وهجوما مضادا لكي يتم الإجهاض!

وفي الحقيقة- وبالصراحة نفسها- فإن هدف هذه السطور أمر آخر مختلف تماما، هو مناشدة دعاة الإنقاذ والتغيير لكي يسلكوا- وكثيرون معهم إذا فعلوها- سبيلا أخرى للإنقاذ والتغيير، غير ما تمت تجربته وأشهر إفلاسه عدة مرات من قبل!

السبيل التي أظنها ناجعة هي الانطلاق نحو وضع جدول مهام تتصل بالتكوين الثقافي والفكري والاجتماعي المصري، وخلق جهاز عصبي قوي متعدد المراكز جيد التوصيل، لتكون المهمة الأساسية- ولا شيء غيرها- هي النهوض الشامل لمصر بإنقاذ ما تبقى لدى أهلها من روح لمقاومة التخلف بعناصره المتعددة، من فقر وجهل ومرض وسلبية، والتصدي لما حدث من تفتيت وتفكيك.

إنني أدعوكم إلى وضع النظام في خانة "اليك"!! وإحراجه عبر التصدي لمهام وطنية شاملة وواسعة وعميقة في الريف والبوادي والحضر والمدن والعشوائيات، وعندها لن يستطيع أحد أن يمنع هذه المهمة!!، أما أن يعاد إنتاج الخطاب السياسي والإعلامي نفسه الذي أنتجته الأسماء نفسها، من قبل، وأن يعاد إنتاج المهمة نفسها، وهي خلخلة نظام الحكم ودفعه ليشدد قبضاته الأمنية والإعلامية، ليصل إلى طريق مسدودة مثلما جرى مع من قبله، فأظن أن ذلك لن يجدي ولن يؤدي إلى ما أدى إليه من قبل!

تعالوا نمارس تقسيم العمل ولو عرفيا بغير اتفاق مكتوب.. حيث تستمر الرياسة والحكومة في المهام الوطنية التي تنجز إنجازات هائلة فيها، ويتجه الآخرون لمهام وطنية موازية تحتاج جهودا رهيبة على مدار عقود، وعلى رأسها مهمة إعادة الصياغة الثقافية والفكرية والمسلكية للوجدان المصري، لأن كل محاولات الإنقاذ والتغيير التي بقيت أسيرة اللقاءات والمؤتمرات والأوراق المتبادلة بين "النخبة"، لن تقود إلا إلى مزيد من اغتراب الناس عن هذه النخبة، وأخيرا فإنني أستبيح لنفسي أن أنقل هنا تعليقا لأحد المهتمين بالعمل الوطني العام، قاله بعدما استعرض أسماء السادة المحترمين الذين يتصدرون محاولة الإنقاذ والتغيير: "لو كنت مكان النظام لدفعت لهم أموالا طائلة كي يستمروا ويعلنوا عن أنفسهم.. لأنهم وبصراحة أهم ما يجعل الناس ترفض الإنقاذ والتغيير على أيديهم"!
                            

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 28 سبتمبر 2017.