Wednesday, 13 September 2017

التوجه شرقًا واستعادة الدور




يفرض التوجه شرقا نفسه على كل مهتم بواقع وطننا ومستقبله، وكثيرا ما يظن البعض أن تحمس وابتهاج ذوي الميول الفكرية والسياسية القومية واليسارية بذلك التوجه مرتبط برغبة دفينة لديهم في تحطيم العلاقة بين مصر وبين الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة أن بعض الدول المهمة في الشرق مازالت ترفع لافتة الشيوعية مثل الصين وفيتنام.. ففي كلتيهما يوجد حزب شيوعي له معتقداته الراسخة فكريا وله هياكله المعروفة، حتى وإن كان التعامل مع المتغيرات التي جرت في العالم جعل من سياسات تلك الدول تبدو مغتربة عن انتمائها الأيديولوجي.

ولو أن المرء استغرق في استعراض الخبرات التاريخية التي مرت بنا في الحقب الحديثة والمعاصرة، أي منذ الحملة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر إلى الآن، فلن يجد مجالا للترافع عن علاقتنا مع الغرب بل إن لائحة الاتهام والإدانات ممتلئة على الأقل منذ معاهدة لندن 1840 التي قصمت ظهر مشروع التحديث العلوي إلى آخر قرار أصدره الكونجرس بتخفيض المعونة ومعه الحملات الصحفية المنظمة المعادية لمصر وتقارير منظمات كهيومان رايتس التي تصطنع كل ما من شأنه حصار مصر والحط من شأن نظامها السياسي. ولا أريد أن أدخل في التفاصيل حتى لا تترسخ في أذهان البعض المقولة التي روج لها ساسة الغرب وخاصة من الإدارة الأمريكية، والتي تتهمنا دوما بالهروب من الواقع إلى أضابير التاريخ واجترار الآلام بدلا من الاشتباك مع الحاضر والتفكير ثم التخطيط للمستقبل، وفي اعتقادي أن التوجه شرقا يبدو ضرورة حتمية ولا يشترط أن يتم على أنقاض علاقات أخرى، كما أسلفت، بل إن الحفاظ على العلاقات مع المعسكر الغربي - إذا جاز استمرار استخدام المصطلح – يستلزم تلك الضرورة الحتمية ليتم التوازن والوصول إلى أقصى ما تريده أطراف العلاقات الدولية من مصالح.

إنني لازلت أذكر ما كتبه الشيخ علي الجرجاوي عن رحلته إلى اليابان في نهاية العقد الأول من القرن العشرين، وسجل تفاصيلها في كتابه الفريد "الرحلة اليابانية" وكتب مقدمة ضافية له في طبعته الأخيرة الراحل الصديق الأستاذ الدكتور رؤوف عباس حامد، ومنذ ذلك الوقت وأمل توثيق العلاقات مع الشرق يجذب تفكير وجهود العديدين، ولكي يكون الكلام أقرب للدقة فإن الشرق لا يعني ما كان يسمى بالكتلة الشيوعية فقط، ولا هو نمور شرق آسيا وحدهم، ولكنه يتسع ليضم الدول العديدة من شرق الخليج العربي، أي إيران وباكستان ثم الهند والصين وروسيا وصولا إلى اليابان وأقصى الشرق، وليس من باب المصادفة أن نجد هذه الدول وقد تميزت بميزات قد لا تتوفر في الغرب، ومنها الجذور الحضارية والثقافية وأيضا العقيدية بيننا وبينها، وهذا ليس مجال التفصيل، ولكنه مجال الحث على توظيف هذه العوامل من أجل توثيق العلاقات التي تبدو واعدة حافلة بفرص التقدم على أكثر من صعيد.

هنا يأتي اهتمام الرئيس بتوثيق علاقات مصر بالشرق ورحلته الأخيرة للصين وفيتنام بمثابة ما يسميه أهل اللغة "كشف الغمة عن رواسخ دور الأمة" والغمة هنا هي الإهمال والتقصير اللذان ضربا كثيرا من جوانب ثوابت الدور المصري في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.. الإهمال الذي أدى لتغلغل الدور الإسرائيلي الصهيوني في مساحات كانت شبه مغلقة أمامه، لأنه تجسيد لوجه كالح من وجوه الاستعمار الاستيطاني العنصري المعادي للتحرر والممارس للعدوان والاحتلال.. ولا أريد أن أتجه للغوص التفصيلي في تاريخ مجيد صنعته مصر مع الصين وفيتنام تحديدا.. وقد اقتصر على معلومة أن مصر كانت أول دولة عربية تعترف بالصين "الشعبية" وتقيم علاقات وثيقة معها، وأول دولة عربية تقف بصلابة مع حق الشعب الفيتنامي في التحرر ومقاومة العدوان الأمريكي الغاشم.. ولنجد أنفسنا أمام أسماء عظيمة هي جمال عبد الناصر وماو تسي تونج وشو إن لاي وهوشي منه والجنرال جياب!.. أسماء تثير فينا الحنين غير المرضي - من المرض - وإنما الحنين الإيجابي الممتزج بالفخر والاعتزاز والأمل في حياة أفضل.

لقد احتفظت الصين وفيتنام بما يعد ثوابت ارتبطت باستقلالهما وتحررهما، وفي الوقت نفسه واكبتا المتغيرات وراكمتا الخبرات واستولدتا اقتصاديات محكومة بأحدث الآليات، وصارت الصين ثاني أقوى اقتصاد في العالم، ووضعت فيتنام أقدامها على طريق النمو المتسارع، ويلفت النظر بقوة احترام الرموز التي أسست وكافحت، وكم كان موحيا ومؤثرا مشهد الرئيس السيسي وهو يصافح القادة هناك، وفي القاعة نفسها صور وتماثيل للقادة المؤسسين الذين تحمل المطارات والميادين والمشروعات الكبرى أسماءهم، ولذلك أعتقد أنه آن الأوان لكي يحمل مطار القاهرة اسم جمال عبد الناصر مثلما هو مطار هوشي منه!

لقد حاول من تقلص ضميرهم الوطني حذف اسم ناصر من على بحيرة ناصر فيقولون بحيرة السد، رغم أن الأطالس العالمية مازالت تضع اسم ناصر على البحيرة، وكذلك تم حذف اسم ناصر من على الاستاد الذي بني في عهد الرجل وحمل اسمه بعد رحيله ثم غيروه لاستاد القاهرة.. وهذا عيب!
                              

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 13 سبتمبر 2017.