Wednesday, 24 May 2017

لا مجال لترف الثرثرة




حسابات التاريخ غير حسابات البقالة، ليس في الأولى قطاعي ولا جملة ولا ما بينهما، أي نصف جملة.. وإنما فيها مقدمات ومسارات ونتائج.. وفيها معارك ضارية قد تسيل فيها الدماء وتزهق الأرواح، وقد تسحق الإرادات وتسلب الأوطان!

وفي البقالة هناك التاجر الشاطر، أما في التاريخ فهناك الفرد التاريخي.. الأول أي الشاطر عينه على الدرج والنقدية.. والثاني كل حواسه على الوطن، حتى وإن بقي الدرج خاويًا والنقدية شحيحة!

والفرد التاريخي قد يكون بطلًا كاريزميًا، امتلك موهبة القيادة ومهارة التواصل مع الكتل الجماهيرية، وقد يكون مجرد شخص تعين عليه- وفق كل المعطيات- أن يتحمل مسؤولية إنقاذ وطنه وقيادة سفينته وسط أنواء عاتية، ليس فقط في المسار الذي تسير فيه وإنما داخلها أيضًا، فإذا به يقبل الأمر ويمضي فيه وعينه على بر الأمان، حتى وإن علا الصراخ من حوله أن لا ماء ولا زاد ولا راحة ولا رؤية واضحة، فيما هو يدير الدفة عارفًا الاتجاه مدركًا كيف تكون المناورة حتى لا تبتلع الأمواج السفينة، ولا ترتطم السفينة بالقاع والصخور!

ليس الأمر إنشاءً أدبيًا، يحاول بالصياغة ووشيها أن يداري على عوار النسيج وتفكك لحمته عن سداه، وإنما هو حقيقة واقعة نحياها كل لحظة فيما نعاصره منذ تمكن عبد الفتاح السيسي أن يتشبث بذراع الدفة، وتمت إزاحة الإخوان عن قيادة الوطن.

بحسابات البقالة.. الأسعار نار.. والسوق يحكمها الأشرار.. والناس دايخة لا يمنعها من الشحاتة سوى الخوف من العار! وبحسابات التاريخ شعب يخوض مع قيادة دولته معركة متعددة المستويات متشعبة الجوانب، حيث تتكرر الملحمة النضالية التي سبق وخاضها الشعب نفسه غير مرة في سياق علاقته مع الزمان!

شعب تتم مصارحته علنًا وعيانًا بيانًا بأن الجالس على أعلى كرسي لن يستطيع وحده المضي بالمركب في هذه الأنواء.. وتتم مفاتحته جهارًا نهارًا بأن الأوضاع صعبة ابتداء من حال المدارس والمستشفيات والمصانع والموارد إلى جميع المجالات، وأنه ليس أمام الجميع إلا العرق والدمع والسهر ليلًا مع نهار.. ومعادلة إقليمية وأخرى دولية لا تتيح لأحد تجاهلها ورفضها بحال من الأحوال، ولا بديل إلا السعي لتحسين الشروط وتخفيف الإجحاف! لأن من اكتوى بنار معاهدة لندن 1840 التي قصمت ظهر المحروسة أيام محمد علي.. وبنار التواطؤ الدولي على إسماعيل.. ونار يونيو 1967 حيث الضربة العنيفة لجمال عبد الناصر.. ولأن من أدرك الفرق بين الاستسلام للأنواء والعاصفة فكان ما كان أيام السادات ومبارك بين القدرة على المناورة السليمة البارعة تلافيًا للاستسلام، فإن عليه أن يتعلم من درس التاريخ.. فإذا تعلم واستوعب وأدرك وبدأ يمارس ذلك على أرض الواقع صار عندئذ هو ذلك الفرد التاريخي الذي أعنيه!

بحسابات القطاعي يمكن أن نكتب تفريدة كشف الحساب.. كم كان في الخزانة المصرية وماذا جرى وماذا فيها الآن؟ كم مشروعًا تم إنجازه من مستوى المشاريع العملاقة وما دراسات جدواها وماذا تبقى قيد الإنجاز؟ وماذا تم في القوات المسلحة من حيث التسليح وتنويع مصادر السلاح ومن حيث التدريب والعقيدة القتالية وحماية البلد من الإرهاب والفساد وهلم جرا! وبالحسابات نفسها يمكن أن نرصد كم مشروعا تبقى وما هو المطلوب في أكثر من مجال! وهي حسابات لها متخصصوها الذين يجيدون لغة الاقتصاد والمال.. أما ما أظنني بصدده فهو حسابات التاريخ.. التي تبدأ بتحليل الوضع الذي عاشه الوطن في العقود الأربعة الأخيرة، ثم بالتخصيص السنين الستة الفائتة كيف كنا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا ووجدانيًا وكيف كان الإقليم من حولنا والعالم تجاهنا.. ثم ماذا عن وضعنا الآن؟!

ثم ماذا عن قضايا التماسك الاجتماعي والمشاكل الطائفية، وماذا عن الإرادة الوطنية وماذا عن دور مصر في محيطها العربي وعمقها الإفريقي وعلاقاتها مع بقية البراح الدولي؟!

ثم ماذا عن استكمال البناء الدستوري، وماذا عن حجم التصدي للفساد الذي ضرب في كل خلايا الجسد المصري، وماذا عن الأمن السياسي والجنائي في سياق استهداف البلد من أكثر من جهة بالاختراق وإتلاف خلاياها الحية حتى لا تقوم لها قائمة! وعديد من القضايا الكلية الأخرى التي يجب أن تجد أذهانا تنصرف إليها مثلما تجد قضايا المعيشة وأوضاع الأحزاب والجمعيات من يهتم بها وينشغل!

عندي، وأزعم أن لدي حدا أدنى من الفهم التاريخي، أرى الوطن في أشد مراحل الاشتباك العنيف مع تلك المضامين، ولا يمكن بحال من الأحوال لأي منصف مسلح برؤية منهجية كلية ترى السياقات في مساراتها الشاملة ولا تتوقف أمام تفصيلات تابعة؛ أن يعطي تقييمًا شاملًا يقول فيه ماذا تم إنجازه وماذا تبقى، وكل ما قد يستطيع المنصف قوله هو أننا نمسك بالأسلحة السليمة المناسبة، وأن إرادتنا في المعركة لم تنهزم، وأن الاستسلام وترك الحبل على الغارب أمر غير وارد من قريب أو من بعيد.

نحن في قلب القلب من المعركة والميدان في حراك رهيب.. ولا أظن مشاركًا في هذه المعركة، يمكن أن يخلع الخوذة ويلقي السلاح ليثرثر في شأن ما يحدث في الميدان.
                     

نشرت في مجلة المصور بتاريخ 24 مايو 2017.