Thursday, 4 May 2017

عن مهنة الصحافة.. أيضًا




أؤجل الكتابة عن المجالس التي شُكلت مؤخرا للصحافة والإعلام لأجل غير مسمى، رغم أن لديّ - مثل كثيرين غيري - ما يقال، وسبب التأجيل هو إفساح المجال أمام تلك التكوينات لكي تعمل ولكي يكون ناتج عملها هو مجال الكتابة وليس الأشخاص الذين اختيروا لها، ولا يعلم أحد - على الأقل العبد لله - كيف اختيروا وما معايير الاختيار ومن الذي اختار، لأنني لم أسع للسؤال ولا لمعرفة الإجابة، رغم أن فيهم من هم أصدقاء وزملاء وأيضا معارف أعتز بهم.

غير أن تأجيل الكتابة لا يمنع من أن أقدم وصلا بمقال الأسبوع الفائت عن مهنة الصحافة، وقد انتظرت أن يرد أحد من الذين يخصهم ما جاء في ذلك المقال، ليس من أجل الاشتباك والمعارك الجوفاء، ولكن لكي نسعى سويا لانتشال المهنة من المصير الذي آلت إليه.

فمنذ سنتين كتبت أن أول مرة أعرف فيها أن لكل حرفة طائفتها، وأن لكل "طايفة" كبير اسمه "شيخ" عندما كنت في السابعة - يعني من أربع وستين سنة - إذ لجأ عم منصور جرجس لوالدي مدرس اللغة العربية والدين في "مدرسة المساعي المشكورة" بقويسنا، ليقضي في خلاف بين عم منصور صاحب البيت الذي نسكنه وبين عم فام النجار صاحب ورشة النجارة القريبة من إقامتنا، وعلى الكراسي الخشبية التي تلقيت أمرا أبويا برصها في الحوش الخارجي جلسوا، وبعد شرب الشاي والذي منه فتح الموضوع وانتهى إلى أن الأمر أعقد وأصعب من أن يبت فيه الرجل الذي وثق فيه الطرفان، رغم اختلاف الدين!، وأعلن الوالد أنه لا بد من الرجوع إلى "شيخ الطايفة" أي شيخ النجارين لأنه هو الأقدر!

ولما كبرت ودرست "تاريخ" في جامعة عين شمس، وقرأت ابن إياس والجبرتي، عرفت أن "طوايف الحرف" كانت تضم العشرات منها كالخيامية والحدادين والفحامين والنجارين، وأيضا الوراقين الذين كانوا يعملون في عالم الورق والكتب!، إلى أن جاء محمد علي باشا الكبير ليبني دولة حديثة، فضيق على طوائف الحرف وأنشأ المصانع "الفابريقات" وحشد لها الصبيان الذين كانوا هم مشاريع الأسطوات في كل حرفة!

عرفت أيضا أن الناس في كل تلك المجالات كانوا يرتبطون مع بعضهم البعض بالاتفاق الشفهي أي "الكلمة"، وكانت الكلمة أشد وأكثر إلزاما من العقود المكتوبة، وكان شرف الرجال الأسطوات "جمع أسطى" - التي جاءت منها كلمة "أسطاذ" ثم رققت لتصبح أستاذا - مرتبطا بمدى احترامهم لكلمتهم، وكان الواحد منهم مهما كانت خسارته يقول: "لقد أعطيت كلمة ولا أستطيع لحسها أو الرجوع فيها"!.. ثم كان الأسطى يحترم الكلمة التي صدرت عن أحد معاونيه، لأنه كان يعتبره مثله تماما، وأن سمعة المكان تتجاوز درجة أو مكانة من أبرم الاتفاق وأعطى الكلمة، ثم إن كتب التاريخ والفلكلور حافلة بالطرائف حول تقاليد وعادات تلك الطوائف، فالخبازون والصباغون يبدأون عملهم بخلع ملابسهم كلها، ثم ارتداء قميص "جلباب" الشغل على اللحم، ولذلك إذا غضب أحدهم وقرر ترك العمل، فإنه يهرول لارتداء ملابسه، وما إن يأتي الأسطى ليهدئه فإنه يناشده "صلى على النبي واخلع هدومك"!، وحتى اللصوص من فئات الهناجرة والهجامين والنشالين لهم تقاليدهم ولهم أصول مرعية يحترمون فيها مناطق نفوذهم وعلاقاتهم البينية، إلى أن نصل إلى "المناسر" جمع "منسر" أي "وكر النسر" وقد أطلقت على العصابات القوية المحترفة، وخاصة في مناطق الريف، ولكل "منسر" شيخ يقوده ويقرر خطواته ويعطي الكلمة التي هو مستعد لأن تطير رقبته ولا تنزل الأرض!

وربما كانت مهنة الصحافة هي التطور التاريخي لمهنة "الوراقين"، وكان شأنها شأن بقية الحرف، إذ كان لها شيوخ، جيلا من بعد جيل، وقد عاش جيلي زمنا يقرأ فيه ما يكتبه محمد التابعي وأحمد الصاوي محمد ومحمد زكي عبدالقادر، وأيضا طه حسين الذي جمع بين الأدب والجامعة والصحافة، وكذلك العقاد ثم حدث ولا حرج عن الأخوين مصطفى وعلي أمين ومعهما نجم النجوم الأستاذ هيكل، وكذلك الأستاذ أحمد بهاء الدين، وكامل الشناوي، وأزعم أنني اقتربت كثيرا وصاحبت ومازحت شيخا ظل شابا إلى أن رحل، هو أستاذي وصديقي كامل زهيري، واقتربت من الأستاذ محمد عودة والسلسال طويل، ولكن الذي يجمعهم رغم اختلاف توجهاتهم ومشاربهم الفكرية والسياسية، أنهم كانت لهم داخل أروقة المهنة تقاليد ومعايير تفرز الغث من السمين!

ثم..

ثم جرى ما جرى وانحدرت معظم المجالات المهنية بما فيها الصحافة، وصرنا نعرف صحفا تولد لتموت بعد شهر أو شهرين، لأن مالكها أراد أن يهبر ويجري!.. وعرفنا صحفا تجبر الصحافيين على كتابة استقالاتهم مع كتابة طلب التعيين! وأخرى تطلب من الصحافي أن يدفع مقابل تعيينه، وغيرها لا تعطى أجرا وتصر على أن يأخذ الصحافي البدل النقدي من النقابة ليدفع منه الحصة التأمينية كلها، يعني نيابة عن المالك.. وهلم جرا.

وعرفنا مرحلة تالية في مسيرة الصحافة عندما دخلت البرامج الفضائية وصارت لها حيثية، وباتت مجالا تحكمه اعتبارات عديدة اقتربت به من عالم المافيا لا تستطيع أن تخترقه، إلا إذا امتلكت الأدوات المطلوبة، وتحول الصحافي من نجم ينشر إشعاعه على الورق، ويستمد قيمته من كلمته ومن المعارك والمواقف التي تقترن باسمه، إلى نجم من نوع مختلف تسلط عليه الأضواء بدلا من أن تشع منه، وربما يكون هو بحد ذاته معتما أي "كوكبا"، ولكن تسقط عليه أشعة من جهة أخرى تجعله قد بدا مضيئا كالقمر!

وفي غمرة هذا كله تحللت تقاليد وقيم وأعراف حكمت المهنة، وصار الجميع يتعامل وفق منطق افتراض سوء النية مسبقا.. وأننا كلنا لصوص يا عزيزي فلا تقل لي هذه "كلمة" أو هذا "التزام أدبي"، ولكن تعال وهات المحامي واكتب ووقع وضع شروطا زمنية وجزائية!

أزعم أن البعض - وأنا منهم - مازالوا يتعاملون بمنطق ديناصورات الشرف السياسي والشرف الفكري، ولذلك ما أن يفاتحوا في الكتابة لجهة ما حتى يبادروا بالكتابة دون التفات للمستحقات المالية ولا للمساحة ولا لدورية النشر، وكثيرا أو غالبا ما كتبوا مجانا وهم لا يكتبون إلا بعد أن يذاكروا ويمعنوا التفكير، ويعمدون إلى تقديم المعلومة التي إن لم تكن خبرية فهي تاريخية أو أدبية أو فلكلورية أو سياسية وهلم جرا..

والسؤال الآن هل بقي لمهنتنا الصحفية شيوخ للحرفة ورموز للطايفة، وهل فيهم من يضارع بعلمه وثقافته وأخلاقه وسلوكياته شيوخا سابقين، أشرت لأسماء بعضهم؟!

ربما يكون ذلك موضوعي المقبل في هذه المساحة.
                         

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 4 مايو 2017.