Thursday, 22 December 2016

هواجس الأسئلة المخيفة




البعض - وكاتب هذه السطور من بينهم - يسكنهم هاجس السيناريو الأسوأ الذي إن تغير حرف واحد فيه ليصير الأسود، فربما يكون أكثر دلالة على المضمون.. وأسوأ وكذلك أسود ما في هذا السيناريو هو أن الذين سيصيبهم جحيمه بأكثر من غيرهم لم يطرحوه ليناقشوه وليتدبروا أمرهم في مواجهته، وهذا أقل القليل إذا لم يكن مصير البلاد يهمهم!

وعندي فإن الذين يظنون أن وصول الحكم الحالي إلى طريق مسدودة وإعلان فشله في تدبير شؤون الوطن سيكون هو "الصينية" الذهبية التي ستحمل إليهم كعكة أو "تورتة" الحكم، وأن لهم آنذاك أن يتدللوا وأن يسمموا بدن غيرهم بالعبارة الشهيرة القائلة بالعامية "مش قلنا لكم ولم تسمعوا الكلام.. إلى آخره"!!، فهم واهمون، لأن الأسوأ والأسود معا سيصيبهم ما لم يكونوا هم الذين سينفذون، وبفجور علني مفضوح، ما كان ينبغي حدوثه للمحروسة من تفكيك وتفتيت واحتراب وانحناء تظل زاويته تضيق حتى يصبح لحسا للتراب ولعقا للأحذية!

السيناريو هو النقطة التي ستتجمع فيها وتتكثف الخيوط التالية:

خيط العربدة الإرهابية المتحول نوعيا من مرحلة إلى أخرى ولم يفقد القدرة على توجيه ضربات موجعة دامية قاتلة للجسد المصري، ليصيبه بالصدمة العصبية الكبرى التي تشل تفكيره وتعجزه عن الفعل..

وخيط تزييف الوعي المصري العام، بصرفه عن الانشغال بالخطر الحقيقي المهدد للوجود العضوي للناس جمعيا لينشغل بفرعيات، حتى وإن بدت مهمة إلا أنها لا ينبغي أن تمثل الهم الأكبر، ومعها أيضا تغييب الوعي بخطورة المضامين التي تحكم التعليم والثقافة والدعوة الدينية.

ثم خيط المشاكل الاقتصادية التي تتفجر كل لحظة ووصلت في أحد جوانبها إلى درجة وجود حصار اقتصادي وإغراق في الاقتراض وسوء في الإدارة وضعف في الإنتاج وخلط أو بالأصح "لخبطة" في الأولويات.

ثم خيط تمثله سياسات وممارسات إقليمية تبدو وكأن لديها إصرارا على نفي أي دور لمصر إلا أن تكون قوة ثانوية مكبوحة، تؤدي ما يطلب منها وفقط، دون أن يفطن أصحاب تلك السياسات والممارسات أن تعجيز مصر وتكبيلها يسارع في سقوطها الذي سيؤدي إلى تصدعهم، إن لم يكن سقوطهم أيضا، ويبدو أن تلك الأطراف الإقليمية لا تكتفي بتأكيدات الرئيس المصري بأن مصر لا ولن تتدخل في شؤون غيرها وأنها لا تعتدي ولا تتجاوز أبدا حدود الدفاع عن نفسها، لأن تلك الأطراف تعتقد أن مصر المتماسكة المتوازنة القوية لابد أن تنطلق لدورها في محيطها، وفي هذا سوابق لا يمكن تجاوزها، دون أن يدركوا أن لكل عصر سماته وأن ما جرى في القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين ليس واردا أن يتكرر "كربونيا" في القرن الحادي والعشرين.

وأخيرا وليس آخرا، خيط يمثله مناخ دولي غير مستقر ولا يمكن للراصد السياسي أن يقرأ بدقة ما سيجري في أفقه خلال السنين القليلة المقبلة، وعلى وجه الخصوص فيما يتصل بالولايات المتحدة الأمريكية.

إنه سيناريو تجمع هذه الخيوط في لحظة ما، مثلما تتجمع أشعة الشمس عبر عدسة زجاجية فتحرق ما يقع تحتها بغير هوادة!

إن الطبيعي هو توقع حدوث كل السيناريوهات الذهبي منها والوردي، وكذلك الأسوأ والأكثر سوادا، وغير الطبيعي هو ألا يسعى الذين سيسحقهم الأسوأ إلى تلافيه أو تجنبه أو حتى التقليل من آثاره المدمرة، فيمكن تحملها واستيعابها والنهوض من بعدها.

غير الطبيعي هو أن يظل الواعون بحقائق ما كان يترتب لوطننا - ومازال الذين رتبوا ينتظرون لحظة الانقضاض النهائية التي لن تبقي ولن تذر - مشغولين بما هو فرعي وثانوي، أو منصرفين تماما إلى مكاسب زائفة، أو مستسلمين للانسحاب والاكتئاب وترقب لحظة الدمار الشامل.

هل سنقبل سوء وسواد أن يقرر آخرون في الإقليم مصير نظامنا السياسي، وأن يفرضوا علينا - بحكم أننا بالنسبة لهم "اليد السفلى" - ما يتعين علينا أن نفعله، وكأن إثبات الوجود وضمان التفوق لا يتمان إلا بنفي الدور المصري تماما؟

وهل سنقبل أن يستبدل بعلم مصر راية أصابع رابعة التي صارت تحية يرفعها أردوغان وغيره مثلما كان هتلر يرفع كف يده، أو راية داعش أو سيفي الإخوان المسلمين؟!

وهل سنقبل أن تقام محاكم التفتيش على ضمائرنا ومعتقداتنا، وأن نستتاب وإلا تقطع رقابنا، وأن يدفع مسيحيو مصر الجزية عن يد وهم صاغرون أو يقتلوا؟!

هل سنقبل وجود محتسب سلفي في كل محافظة، تعلو سلطته أية سلطة تشريعية أو قضائية أو تنفيذية، يفتش على لحانا وشواربنا ويتمم علينا في دور العبادة؟!

هل سنقبل انقساما رأسيا وتمزقا أفقيا في جيشنا وشرطتا وقضائنا وجغرافيتنا السياسية وتاريخنا وثقافتنا، لنكون عبرة غير مسبوقة ونموذجا لوطن فقد إرادته وخارت عزيمته وصار نهبا لكل من يريد؟

إذن فلا سبيل إلا المقاومة وهذا حديث آخر.
                                  

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 22 ديسمبر 2016.