Thursday, 8 December 2016

مصر والسعودية مجددًا




لن يستطيع أي موهوب في أساليب وفنون النقد والانتقاد والهجوم والتهجم السياسي وحواشيه الثقافية والاجتماعية؛ أن يصل للمستوى الاحترافي الذي كان خلال تصاعد الصدام- وليس فقط الاختلاف- المصري السعودي في الستينيات، سواء هنا في مصر أو هناك في المملكة وخارجها، أي المنابر الصحفية والتليفزيونية المحسوبة عليها، لأن تلك الفترة عرفت استقطابات أكثر حدة مما عليه الأوضاع الآن، وكان فيها نجوم الكلمة الذين ما زالت بصماتهم محفورة في سجلات الإعلام والسياسة حتى الآن، فإذا أضفنا أن الصدام- آنذاك- تجاوز الإعلام والفكر والثقافة إلى ميادين القتال بالدبابات والمدافع والطائرات، ولمستوى استخدام كل وسائل الضغط بما فيها "التآمر" الاستخباراتي وسطوة الأموال، لعرفنا أكثر وأكثر مدى خطورة الذي كان!

ثم اكتشف الطرفان- وعلى رأسيهما الزعيم جمال عبد الناصر والملك فيصل الذي هو عند كثيرين وبمعايير قوية أقوى ملك للمملكة بعد والده وأكثرهم حنكة ودراية- أن المحصلة هي الخسارة الفادحة للشعبين وللعرب وللمنطقة، وما حدث بعد تصفية الخلاف معروف ومتاح لمن يريد أن يعرف.

لذلك كله مضافًا إليه حجم المتغيرات الهائلة التي شهدها العالم ونحن على الجانبين منه، ووصلنا إلى محطة الأخطار الرهيبة التي تحاصرنا، فعندئذ ندرك عدم جدوى- ولا أقول عبثية وتهافت- التمادي في التهجم المتبادل، وشن الحملات التي يظن أصحابها أنهم عندما يوظفون المشاعر الوطنية لدرجة الشوفينية الضيقة فإنهم ينتصرون للوطن في مصر أو في المملكة ضد العدو!

لن أعمد إلى تاريخ العلاقات بين مصر وبين الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر، الذي هو شاطئ عربي بامتياز غير منقوص، من قمته الشمالية عند رأس خليج العقبة إلى سفحه الجنوبي عند باب المندب، وهي علاقات فيها الأبعاد كلها التي لا يمكن تجاهل أي منها حضاريا وثقافيا وعقيديا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا.. ولن أعمد إلى تشخيص ووصف وتحليل أبعاد الخطر الداهم علينا جميعا، والذي تجاوز كل المراحل حتى وصل لمرحلة تهديد الوجود العضوي للبشر أنفسهم، فهذا كله معلوم.. سواء الأبعاد التاريخية أو الوضع الحالي، لذا أتجه إلى ما أود قوله مباشرة، ألا وهو تساؤل تقريري مؤداه أليس الأنفع والأجدى أن نصرف- كنخبة إعلامية وأكاديمية وسياسية مصرية- جهودنا لدراسة آفاق وتفاصيل العلاقة بين مصر وبين المملكة خاصة وبقية المحيط العربي عامة، وهو الواجب نفسه الذي يتعين ويتحتم على نخبة الجانب الآخر السعي لإنجازه؟

أليس واردًا أن توضع نقاط الخلاف- ومعها بالتالي الاختلاف في المواقف والمعالجات- على مائدة البحث والنقاش، ليعرف كل طرف الحدود والضوابط المقبولة على الجانبين، وعلى سبيل المثال القضية السورية، وفيها- حسبما أفهم- عناصر للاختلاف تكاد تتوازى إن لم تتفوق على عناصر الاتفاق، لأن سوريا بالنسبة لمصر هي البوابة المباشرة للأمن المصري، وأي تطور يؤدي إلى قيام نظام حكم مصنوع ومن ثم ممالئ لمن هم في وضع عدائي لمصر هو تطور مرفوض ويجب على مصر مقاومته، وأعني بمن هم في وضع عدائي لمصر دويلة قطر تحديدا، التي بادرت مصر بالعداء ووصلت إلى حد السعي للتخريب البشع داخل مصر، ولم تتردد في حصارها والسعي الإجرامي للتدخل في مصير شعبها! ولذلك فإن الالتقاء القطري- السعودي حول الوضع في سوريا يحمل تناقضا لا بد من حله!

وأيضا، وعلى سبيل المثال كذلك، فإن أحدًا لم يناقش الرؤية السعودية والرؤية المصرية للمنطقة على ضوء الاستراتيجية السعودية التي احتوتها خطة 2030.

وأين وكيف يمكن أن يتقاطع الدوران بحيث لا يأتي الرد على هذا السؤال بالطريقة التي رد بها عبد المنعم سعيد على كاتب هذه السطور، في جلسة ثقافية يستضيفها السفير السعودي بالقاهرة ويحضرها كثير من مثقفي مصر وإعلامييها وصحفييها إلى جانب سفراء عرب، إذ رد الخبير الاستراتيجي الذي كان هو المحاضر، والمحاضرة عن خطة 2030 السعودية، إذ قال لا فض فوه ومات حاسدوه: "كفاية حديث عن الدور القائد والكلام من هذا النوع، لأن الأدوار لا تصنعها أغاني عبد الحليم حافظ"، وواضح أنه كان يلقمني حجرا، لأنني محسوب على حقبة الدور القائد وأغاني عبد الحليم، فيما لم يكن سؤالي عن دور قائد، وإنما كان- والشهود موجودون- عن أهمية دراسة وتحديد احتمالات تقاطع الأدوار أو تصادمها بين مصر وبين المملكة من الآن حتى بداية العقد الرابع من هذا القرن.. وها هو التقاطع قد حدث فيما الاستراتيجيون يسخرون من الفن كعنصر من أقوى عناصر القوة الناعمة للأوطان! ولم يكلفوا أنفسهم عناء الدراسة المستقبلية، خاصة أنني في الجلسة نفسها ذكرت شيئا عما نشرته صحيفة أو مجلة ألمانية مشهورة منسوبا إلى ولي ولي العهد السعودي، وفيه تنسب إليه أنه تحدث عن الشركاء الصغار للمملكة، وهما باكستان ومصر!

ثم نأتي للنقطة التي التهبت فصارت دملًا وقد يتحول مع هواة النفخ في الكير إلى خراج صديدي يسمم الجسم كله، فيما لو ترك المجال لنافخي الكير ومعهم مشعلو النيران، وهي نقطة الجزيرتين لتفتح جميع الاحتمالات المخيفة، ابتداء من أن يستغل نافخو الكير مشعلو النيران هناك في المملكة الأمر ويتحول إلى قضية أرض سعودية محتلة من الغاصب المصري، رجاء مزيد من التماسك حول النظام، لأن هناك قاعدة قديمة تقول "إذا أردت مزيدا من تأجيل الصراع الداخلي أو صرف النظر عن أزمات بعينها فافتح جبهة خارجية واشتغل على وتر الوطنية وحرية التراب الوطني"، وابتداء أيضا مما حدث بالفعل في مصر، حيث اشتعلت الحرائق وتعالت الأدخنة حول التنازل المرفوض عن التراب الوطني والخزي والعار اللذين سيلحقان بالمفرطين!

ليس لدي وصفة سحرية تخرجنا من هذه الأزمة، ولا يمكن ترك الأمر للجهد الرسمي فقط، وإنما مطلوب دور من النخبة بكافة أطرافها على الجانبين لنخرج من هذا المأزق، إن النخب المحترمة والشعوب الحية هي من تتعلم من دروس تاريخها ولا تعيد إنتاج أزماتها وكفى بدرس الستينيات على الجانبين درسا.
                          

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 8 ديسمبر 2016.