Thursday, 29 December 2016

مواجهة السيناريو الأسوأ




تساءل بعض السادة القراء عن نبرة التشاؤم في مقال الأسبوع الفائت، ولم يشف غليلهم إجابة تقول إنه كان مجرد افتراضات ضمن السيناريو الأسوأ، وأن الأسئلة التي تضمنها كانت تقريرية تحذيرية، وكانت خاتمته أن لا طريق سوى المقاومة.. ولديهم كل الحق في تساؤلهم، لأن الأصل في الكاتب هو أن يبشر ولا ينفر وأن يستنهض الهمة لا أن يثبطها، ثم إن كثيرين منهم رفعوا راية المقاومة الجادة وسمعت من أحدهم - وهو بمثابة أستاذي - تأكيدا على أنه رغم عمره مستعد لفعل ما يدعم المنظومة الوطنية المخلصة، وأنه يتعين علينا جميعا في تلك المنظومة أن نستمر بقوة في دعم الرئيس الذي لم يأل جهدا، بل إن جهده يفوق ما عند أولي العزم من الرجال، وهو يخدم وطننا ويجابه الخطر في كل الجبهات!

وبدوري أود أن أستكمل حديث السيناريو الأسوأ والأكثر سوادا، الذي إذا حدث لا قدر الله فإنه يأتي نتيجة التقاء عدة خيوط شبهتها بأشعة ملتهبة تلتقي عبر عدسة زجاجية لتكثف الطاقة وترتفع الحرارة حتى الاشتعال، وبقية الحديث هي عن الفعل المقاوم الذي هو جامع شامل يختلف عن الفعل المقاتل، حيث القتال قد يختلط مع الاقتتال، وكلاهما فيه معنى القتل، ولا يجوز الاندفاع إلى القتل إلا عند مواجهة عدوان خارجي على أرض الوطن، أما القصاص الذي يتم بالقضاء وبالقانون فهو أمر مختلف!

الفعل المقاوم له أسلحته ابتداءً من الكلمة المكتوبة والمسموعة والمرئية ويتفرع ليشمل كل ما هو نشاط إنساني، سواء نشاط القوة الناعمة والتعليم والبحث العلمي والآداب والفنون من تشكيل وموسيقى وغناء ومسرح، والقوة الصلبة من إنتاج في الحقول والمصانع والمعامل وصولا للقوة العسكرية الناجزة الجاهزة.

وأول بيت في قصيدة المقاومة بالمعنى الذي سبق، هو أن نحول ونمنع ونواجه كل المحاولات التي تسعى لدق الأسافين وإثارة الفتن بيننا وبين القيادة الوطنية التي تقدمت الصفوف في مواجهة الإخوان، ثم كانت موضع ثقة الشعب عبر انتخابات حرة، لأنني وكثيرين ألتقيهم وأسمع منهم، بدأنا نرى منذ فترة مشهدا يسعى مؤلفوه ومخرجوه إلى تمزيق النسيج الوطني الذي ائتلف بآمال وطموحات 25 يناير، وبالمواجهة والإنجاز اللذين ارتبطا بثلاثين يونيو.. وكثرت التخريجات عن انفضاض هذا التوافق وضياع الفعل المشترك.. ثم انتقل الأمر إلى محاولة تدمير مكانة الجيش المصري في وجدان الشعب، وكثرت عبارات الدس والوقيعة التي تتحدث عن احتكار الجيش للحكم.. واحتكار الجيش للمشروعات واحتكار الجيش لكذا وكذا، وكأن الجيش قادم من بلاد الواق واق ليخطف اللقمة من أفواه الشعب، وحتى الآن ورغم التوضيحات المستمرة من الرئيس، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، عن أن حجم مساهمة الجيش في الاقتصاد تتراوح بين واحد ونصف إلى اثنين في المائة - وهي نسبة ضئيلة - إلا أن جوقة الشر لا تزال تعزف نشازها على قاعدة "العيار الذي لا يصيب يدوش، أي يثير ضجيجا"، وهنا يتأكد حتمية مقاومة هذه الوقيعة وهذا الدس الرخيص.

وثاني الأبيات في قصيدة المقاومة، هو السعي لالتقاء كل القوى الحية في هذا الوطن من قمة نخبه السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية، إلى الواعين من عامة الناس.. الالتقاء ليس بمعنى أن تضمنا قاعات ومدرجات وتتقدمنا منصات وصفوف عليها بطاقات بالأسماء.. وإنما الالتقاء على هدف وطني واضح ومحدد ولا يحتمل تأويلا ولا لبسا، ألا وهو وجود الدولة المصرية وحمايتها وصونها من أي تفتيت أو تقليص لمكانتها ودورها، والتصدي لكل الاتجاهات العابرة للوطنية التي تريد الهدم شرطا لازما للبناء الذي تزعمه وتدعي أنها تملك أسسه ومساراته.. وهي اتجاهات ممتدة من الفوضويين حملة شعارات الاشتراكية الثورية إلى المغيبين كهنة الطقوس الدينية، ثم إلى القتلة الوالغين في دم الشعب!

وثالث الأبيات هو كشف وتعرية وفضح ومطاردة الذين بدأوا منذ فترة يخرجون من مكامنهم التي تواروا فيها عقب 25 يناير وعقب زوال حكم الإخوان، واستعادة لياقتهم الانتهازية بمهارات لا يملكها غيرهم، وعرفوا الطريق، ثانية وثالثة وربما عاشرة، إلى مواقع التأثير في مفاصل الوطن إعلاميا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا، ولأنهم في الأصل لا يعرفون قيمة اسمها الحياء، ولا الاستتار لسبب الابتلاء، فإنهم يقبلون الإهانة مرة واثنتين وبغير عدد، طالما أن قلة الحياء والبهدلة ستعيدهم إلى التأثير في صنع القرار واتخاذه.. والأمثلة والنماذج لذلك كثيرة ومثيرة للدوخة والغثيان.

إن أهم ما في الفعل المقاوم هو طول النفس ورفض الاستسلام للواقع مهما كانت قسوته، وهو أن يدقق الإنسان المقاوم فيما يطلق طلقات مقاومته.. أين ستمر الطلقة؟ وهل ستخترق جسد الوطن أو وجدانه وهي متجهة نحو هدفها المحدد بدقة أم لا؟ وكيف نتلافى - فيما نؤدي عملنا المقاوم - أن نكسر أو ندمر ثوابت الوجدان الوطني، وهي معلومة وواضحة ويحاول البعض صرفها عن معانيها ومضامينها التنويرية البناءة!

نعم.. إن ظروفنا الاقتصادية بالغة الصعوبة.. وظروفنا الاجتماعية بالتالي مضطربة، إذ تندفع شرائح بأكملها من مكانتها الاجتماعية إلى ما دونها في السلم الاجتماعي.. وظروف الممارسات في الإعلام والصحافة والهيئات المعنية بالثقافة توحي بأن القائمين على أمرها بين صنفين، كلاهما مرفوض، فإما مغيبون لا يشعرون بالمسؤولية وإما متآمرون يعملون وفق أجندات تخصهم أكثر ما تخص الوطن.. وقس على ذلك ممارسات في الخدمات من تعليم وصحة ودواء وغيرها.. ولكن نعم أيضا.. إن تجارب مصر تؤكد قدرتها على النهوض وبقوة وفي مدى زمني غير طويل، ويبقى الشرط الضامن لاستمرار هذا النهوض.. وهو شرط علمتنا إياه تجربتا محمد علي وجمال عبدالناصر، ومؤداه أن تتماسك مصر فتتوازن وتقوى وتنطلق لأداء دورها الحيوي في محيطها وفي العالم، ولكن بحيث لا تستفز قوى إقليمية أو دولية تندفع لتدمير المقدرات المصرية لخطرها الداهم على مصالح تلك القوى..

عندئذ يصبح السؤال الجوهري هو: كيف ننهض ونؤدي دورنا وندير حركتنا بطريقة تحافظ على ما أنجزناه؟!
                               

نشرت في جريدة الأهرام بتاريخ 29 ديسمبر 2016.