Wednesday, 28 December 2016

الدواء والشبكة الخفاشية القذرة




لسبب فني يتصل بتفاصيل الرسائل على البريد الإلكتروني سقط نصف مقال الأسبوع الفائت عن الدواء "اللقيط المخطوف في ملاجئ الصحة"، وكان معظم المقال نص رسالة من الدكتور رجائي قوسة الصيدلي الذي يعيش هموم مهنته ضمن معايشته هموم الوطن، إضافة لمواقع نقابية صيدلانية، وقد سبق وكتبت عن سر اهتمامي برسالته، ليس لأنه أشاد بكاتب هذه السطور ولكن لأنه لمس أبعادًا لا يلمسها سوى من يده في نار التجربة.. وقد استأذنت إدارة التحرير في "المصري اليوم"، وخاصة زميلي المشرف على صفحات الرأي أن أفسح المجال للنصف المبتور من المقال، ومن رسالة الدكتور رجائي ونصه ما يلي: "طالبنا حتى جف اللسان وأنهك الحلق بضرورة كتابة الدواء في الروشتة بالاسم العلمي للدواء وليس بالاسم التجاري، حيث يوجد لنفس الدواء أكثر من خمسة عشر مثيلًا بأسعار مختلفة متناقصة، من الدواء المستورد، ثم الدواء الذي تصنعه شركة عالمية في مصر، ثم المثيل المنتج من شركة محلية، ولكن الأطباء حريصون على كتابة الأدوية المستوردة أو المصنعة من قبل الشركات العالمية لكي يستفيدوا من الهدايا والمؤتمرات والرحلات، هل تعلم سيادتكم أن بعض الهدايا تصل إلى سيارات أحدث موديل ورحلات إلى الخارج، مشتملة تذاكر سفر وإقامة في فنادق 7 نجوم لكبار الأطباء، حتى إن بعض الشركات المحلية لكي تواجه هذا أصبحت هي الأخرى تقدم مبالغ مالية لصغار الأطباء، وهكذا أصبح المريض محاصرًا من الأساتذة الكبار حتى أطباء الاستقبال في المستشفيات الحكومية والوحدات، كل ذلك بالطبع تضيفه الشركات على سعر الدواء ويدفعه المريض من قوته تكلفة إضافية مبالغًا فيها تؤثر بل تدمر اقتصاد الدولة، ووزير الصحة يعلم ذلك، بل كل وزراء الصحة يعلمون هذه الحقيقة، ويعرفون أن سعر الدواء سينخفض إلى أقل من الثلث فقط بقرار وزاري واحد يُلزم الأطباء بكتابة الدواء بالاسم العلمي ويعطي المريض حرية اختيار الدواء حسب قدرته المادية وإمكانياته، ولكن هيهات وهيهات فأباطرة الفساد أقوى من أي مصلحة.

ولكن ونحن في هذه اللحظة الفارقة التي من الممكن أن يصل فيها سعر الدواء إلى أضعاف أضعاف ثمنه، ومن الممكن جدًا أن يصبح سعر الدواء فوق إمكانيات 70% من الشعب المصري لنصل إلى ما يعرف بالمجاعة الدوائية، فالمشكلة ليست في ارتفاع تكلفة إنتاجه فقط، ولكن المشكلة في تضاعف سعر الرحلات الخارجية والهدايا والجنيهات الذهبية والأقلام المستوردة ذات الماركات العالمية، فلو كانت المشكلة في سعر تكلفة الإنتاج لهان الأمر، لذا السؤال الآن: هل سنجد الدولة تقف في جانب المريض المصري، أم كالعادة ستخذله لتقف في صف الطبيب ومصالحه ومزاجه ومكاسبه؟! وأنا أؤكد لسيادتك أن الوزير سيختار بالطبع الانحياز لأبناء مهنته، وليذهب المريض المصري إلى الجحيم.

ولكن لأن مصر ما زالت تنبض بالرجال ستظل صرختنا دائمًا في وجه الفساد، رغم أننا نعلم أننا نصرخ أمام وزارة يسكنها من هم أعتى وأشد إجرامًا من كل مافيا العالم مجتمعة، ولكن الأمل في الأقلام الشريفة التي بين أيديكم لكي تدق أجراس الإنذار وتفضح هذه الشبكة العنكبوتية الخفاشية من المصالح القذرة.
ولكم مني جزيل الشكر والتقدير على دوركم التنويري والتثقيفي لخدمة الوطن".. انتهت الرسالة.

هكذا نكتشف وجهًا من وجوه تشخيص المسألة الدوائية في مصر، ونلمس في الوقت نفسه جزءًا مهمًا من سبل العلاج، وإلى من سينحاز وزير الصحة، وهل يمكن مواجهة شبكة عنكبوتية خفاشية من المصالح القذرة أم لا؟!

ثم إن مسألة كتابة الدواء بالاسم العلمي تبدو مسألة مهمة، لأنها ستقطع الطريق الموصولة بين خيوط تلك الشبكة، وأعتقد أنها مسألة مبدئية، وإذا كانت مبدئية فهل ما زال الجسد الطبي المعالج فيه مكان للمبادئ!

ولأن الشيء بالشيء يذكر فإنني سأحكي ما عشته عام 19822 في حكاية المبادئ تلك، إذ صاحبت المغفور لها أم أولادي أثناء حملها في طفلتنا الصغرى، التي أصبحت الآن طالبة دكتوراه متفوقة ومتميزة في الهندسة المعمارية، وكانت الأم تعاني ضيقًا شديدًا في صمامين من صمامات القلب، وكانت الصحبة إلى لندن، حيث الموعد المحجوز مع طبيب قلب مصري مشهور جدًا، ووصلنا العيادة ودفعنا الرسوم المطلوبة، ورأى الطبيب العالمي أن الحمل لابد أن يجهض حرصًا على صحة وعمر الأم، ولأجل أن يطمئن طلب إلينا الذهاب إلى أستاذة طب نساء مشهورة في شارع هارلي الأشهر بلندن، واتفقت مسز "لاف" - هذا اسمها - مع طبيب القلب في حتمية الإجهاض، ولأجل أن يزداد اطمئنانها طلبت أن نذهب إلى أستاذة متخصصة في حالات القلب المصاحبة لحالة حمل، وكان اسمها الذي لن أنساه "سيليا أوكلي"، وذهبنا وكما تعودنا مع الطبيبين السابقين دفعنا المعلوم الباهظ، وأثناء حوار الطبيبة مع المريضة سألتها عن معلومات لم تكتب في البيانات التي سجلناها قبل دخولنا فسألتها عن ما إذا كانت مسلمة أم لا، ولما جاءت الإجابة أنها مسلمة استكملت: أظن أن الإسلام مثل الكاثوليكية يحرّم الإجهاض!!، واستمرت في الأسئلة، فعرفت أن المريضة طبيبة وعندها قالت بحسم: تقولين إنك طبيبة، فهل لم تتعلموا في بلدكم أن الطبيب لا يدفع لزميله مالًا، وضغطت على الزر فجاء مساعدها الإداري الذي أمرته بأن يرد ما أخذه، وبعدها طلبت أن تشاهد حالة القلب على جهاز أشعة، وإذا بها تقول: "الحالة صعبة، وتستطيعين استكمال الحمل تحت إشراف طبي"، وبعدها كتبت توصية لاثنين من الأطباء في دبي، حيث كنا نعيش في الإمارات، ليشرفا على الحمل إلى وقت الولادة.. ولكن المفاجأة أن الأم شعرت بآلام الوضع، وكان أن وضعت مولودتها في المنزل.. ولدت نفسها وكانت مساعدتها ابنتها الكبرى، التي لم تكن تتجاوز خمس سنوات، وحملت الأم والمولودة إلى المستشفى، وعندها صار الطبيب الإنجليزي "مستر ساتون" يضرب كفًا بكف ويقسم بأنه من المستحيل لحالة قلب حادة مزمنة أن تضع حملها بدون مساعدة!

القصة طويلة، ولكني أتوقف عند حكاية المبادئ، "هل لم تتعلمي كطبيبة أن الطبيب لا يدفع مالًا لزميله".. يعني بمفهوم المخالفة "أن الطبيب لا يأخذ مالًا من زميله"، وهذا ما فعلته "سيليا أوكلي"!

ولأطبائنا في المحروسة، وخاصة الكبار منهم، أتساءل: هل من الوارد أن تتخلوا ولو قليلًا عن التواطؤ مع شركات الدواء.. لوجه الله، ولأجل الأنبياء، وعشان خاطر الوطن؟!
                               

نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 28 ديسمبر 2016.